ابن كثير

88

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

جهنم . قال الثوري عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير ( السعير ) واد من قيح جهنم . وقوله إِذا رَأَتْهُمْ أي جهنم مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يعني في مقام المحشر . قال السدي : من مسيرة مائة عام سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً أي حنقا عليهم ، كما قال تعالى : إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ أي يكاد ينفصل بعضها عن بعض من شدة غيظها على من كفر باللّه . وروى ابن أبي حاتم : حدثنا إدريس بن حاتم بن الأحنف الواسطي أنه سمع محمد بن الحسن الواسطي عن أصبغ بن زيد عن خالد بن كثير ، عن خالد بن دريك بإسناده عن رجل من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : قال رسول اللّه : « من يقل علي ما لم أقل ، أو ادعى إلى غير والديه ، أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار - وفي رواية - فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا » قيل : يا رسول اللّه وهل لها من عينين ؟ قال « أما سمعتم اللّه يقول إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ الآية ، ورواه ابن جرير « 1 » عن محمد بن خداش عن محمد بن يزيد الواسطي به . وقال أيضا : حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا أبو بكر بن عياش عن عيسى بن سليم عن أبي وائل قال : خرجنا مع عبد اللّه يعني ابن مسعود ومعنا الربيع بن خيثم ، فمروا على حداد ، فقام عبد اللّه ينظر إلى حديدة في النار ، ونظر الربيع بن خيثم إليها ، فتمايل الربيع ليسقط ، فمر عبد اللّه على أتون على شاطئ الفرات ، فلما رآه عبد اللّه والنار تلتهب في جوفه ، قرأ هذه الآية إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً فصعق ، يعني الربيع ، وحملوه إلى أهل بيته ، فرابطه عبد اللّه إلى الظهر ، فلم يفق رضي اللّه عنه . وحدثنا أبي ، حدثنا عبد اللّه بن رجاء ، حدثنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال : إن العبد ليجر إلى النار فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير ، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف ، هكذا رواه ابن أبي حاتم بأسناده مختصرا ، وقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير « 2 » : حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا عبيد اللّه بن موسى ، أخبرنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال : إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض ، فيقول لها الرحمن : ما لك ؟ قالت : إنه يستجير مني ، فيقول : أرسلوا عبدي ، وإن الرجل ليجر إلى النار فيقول : يا رب ما كان هذا الظن بك ، فيقول : فما كان ظنك ؟ فيقول : أن تسعني رحمتك ، فيقول : أرسلوا عبدي ، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهقة البغلة إلى الشعير ، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف ، وهذا إسناد صحيح . وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن منصور عن مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله

--> ( 1 ) تفسير الطبري 9 / 370 . ( 2 ) تفسير الطبري 9 / 370 .